أحمد ياسوف
135
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وثمة حركة تشبه القذف الذي كان في حال الشر ، إنها حركة إلقاء المحبة كما في قوله عز وجل عن موسى عليه السلام : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ طه : 39 ] ، فالإلقاء هنا يدل على قوة تنتهي بالخير ، لتوحي بالثبات وتنفي الضعف الذي تصوّره النبي الكريم ، إنها محبة غير طبيعية ، لكونها تكسر قلوب الكفرة ، حتى أحبه فرعون . كأنما هذه الحركة القوية تفيد أن هذا المدد المطلوب قوي ، ليوائم جبروت الكفرة المحيطين بهذا المحبوب ، وهذه صورة تحويلية تحوّل ما حول الملقى عليه ، أما شكل الحركة فهي شاقولية متجهة من الأعلى إلى الأسفل ، فهي مخضلة بالخير الذي يتصف به العالم العلوي . ونتلمس حركة السقوط في الكناية التي تجسم الندم كما في قوله تعالى : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [ الأعراف : 149 ] وهي حركة متجهة نحو الأسفل معبرة عن الخطيئة ، إلا أن هذا السقوط أو الإسقاط قد تم في أعماق النفس ، وانتقاله إلى اليد يشير إلى استهانتهم بأمور التوحيد والمواعظ التي أتى بها موسى عليه السلام . ونقف عند حركة الإحاطة في قوله عز وجل : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 81 ] ، وكلمة « أحاطت به » من الكلمات التي لم ينتبه القدامى إلى قدرتها التجسيمية ، يقول سيد قطب : « تجسيم لهذا المعنى ، وأي تعبير ذهني عن اللّجاجة في الخطيئة ما كان ليشعّ مثل هذا الظل الذي يصوّر المجترح الآثم حبيس خطيئته ، يعيش في إطارها ، ويتنفس في جوها ، ويحيا معها ولها » « 1 » . إن الخطيئة أصبحت قوية في هذا التجسيم ، فقد تملكت النفس
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، مج 1 : 1 / 86 .